السبت 26 أبريل 2025
سياحة
4 مشاهدة انس اسامة

الفعاليات الكبرى في مصر.. بين تنشيط السياحة وحماية التراث

تتحول الفعاليات الكبرى في مصر إلى رافد اقتصادي للسياحة، وسط مطالب بوضع معايير توازن بين الترويج للمواقع الأثرية والحفاظ على قيمتها الحضارية.

الفعاليات الكبرى في مصر.. بين تنشيط السياحة وحماية التراث

الفعاليات الكبرى في مصر.. فرص سياحية واقتصادية وتحديات حماية التراث

لم تعد الفعاليات الكبرى في مصر مجرد حفلات ترفيهية أو مؤتمرات عابرة، بل أصبحت أحد المكونات الرئيسية للمنتج السياحي، لما تحققه من تأثيرات اقتصادية تتجاوز الحدث نفسه، لتشمل الترويج للمواقع الأثرية، وتنشيط المدن الجديدة، وزيادة الحركة في الفنادق والمطاعم ووسائل النقل، إلى جانب دعم حركة الطيران وجذب الاستثمارات.

ويعكس هذا التوجه أهمية توظيف الفعاليات الفنية والثقافية في تعزيز حضور مصر على خريطة السياحة العالمية، خاصة عندما تُقام في مواقع تتمتع بمكانة تاريخية وحضارية بارزة، مثل منطقة الأهرامات، التي تمثل أحد أهم الرموز السياحية المصرية وأكثرها شهرة على المستوى الدولي.

الحفلات العالمية أمام الأهرامات والترويج السياحي

يمثل تنظيم الحفلات العالمية أمام الأهرامات نموذجًا لاستثمار المعالم الأثرية في الترويج السياحي، إذ لا تقتصر الاستفادة على الجمهور الذي يحضر الفعالية، بل تمتد إلى الصور ومقاطع الفيديو التي تنتشر عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، لتصل إلى جماهير في مختلف أنحاء العالم.

وتسهم هذه التغطية في إبراز المعالم المصرية أمام شرائح جديدة من الجمهور، كما تمنح المواقع الأثرية حضورًا متجددًا في المحتوى السياحي العالمي. ومن ثم، يمكن أن تتحول الفعالية إلى وسيلة للتعريف بالمقصد السياحي المصري، بما يدعم الاهتمام بزيارة المواقع التاريخية واستكشاف المقومات الحضارية التي تتمتع بها البلاد.

ومع ذلك، فإن نجاح هذه الفعاليات لا يرتبط فقط بحجم الحضور أو مدى انتشار الصور والمقاطع المصورة، بل يتطلب أيضًا مراعاة طبيعة المكان وقيمته التاريخية، والتأكد من أن المحتوى المقدم يتناسب مع رمزيته الحضارية.

سامح سعد: ضرورة اختيار فعاليات تتناسب مع قيمة المواقع الأثرية

وفي هذا السياق، يرى سامح سعد، رئيس شركة الصوت والضوء سابقًا ومستشار وزير السياحة الأسبق، أن استغلال المواقع الأثرية في تنظيم الفعاليات يتطلب اختيار أنشطة تتلاءم مع القيمة التاريخية والحضارية لهذه الأماكن.

ويبرز في هذا الإطار نموذج مدينة فيرونا الإيطالية، التي ارتبط مسرحها الروماني بعروض الأوبرا والموسيقى الكلاسيكية، بما يعكس إمكانية الجمع بين الأنشطة الفنية والحفاظ على هوية المواقع التاريخية.

ويطرح هذا النموذج أهمية تحديد طبيعة الفعاليات التي يمكن استضافتها داخل المواقع الأثرية أو بالقرب منها، بحيث تكون متوافقة مع الطابع الحضاري للمكان، وتقدم تجربة ثقافية وسياحية تضيف إلى قيمته بدلًا من أن تطغى عليه.

الموسيقى الصاخبة تثير تساؤلات حول ملاءمة الفعاليات

وتتركز بعض التحفظات المرتبطة بإقامة الحفلات داخل المواقع الأثرية على طبيعة المحتوى الموسيقي المقدم ومدى ملاءمته للمكان. وفي هذا الإطار، حذر سامح سعد من الاعتماد على أنماط الحفلات الصاخبة، مثل موسيقى «الديسكو» و«التكنو»، إذا كانت لا تتناسب مع القيمة التاريخية للموقع أو طبيعة التجربة التي ينبغي تقديمها للزوار.

ويرتبط هذا التحفظ، بحسب الطرح الذي قدمه سعد، بالمخاوف من أن تجذب بعض الفعاليات جمهورًا لا يهتم بالضرورة بالقيمة التاريخية للمكان، فضلًا عن احتمال صدور ممارسات أو سلوكيات تسيء إلى حرمة المواقع الأثرية، وتثير انتقادات لدى المهتمين عالميًا بحماية التراث.

ومن هنا، تبرز أهمية وضع ضوابط واضحة لاختيار الفعاليات، تراعي طبيعة الجمهور والمحتوى الفني والسلوكيات المتوقعة، إلى جانب الالتزام بمتطلبات حماية المواقع الأثرية وصون قيمتها الحضارية.

معايير واضحة لتحقيق التوازن بين السياحة وحماية التراث

وتتطلب الاستفادة من الفعاليات الكبرى ضمن المنظومة السياحية المصرية تحقيق توازن بين العائد الاقتصادي والترويجي من جهة، والحفاظ على التراث من جهة أخرى. فالمواقع الأثرية ليست مجرد خلفيات لإقامة الحفلات، بل تمثل شواهد تاريخية وحضارية تحتاج إلى إدارة تراعي خصوصيتها.

ويمكن أن يشمل هذا التوجه تحديد أنواع الفعاليات المناسبة لكل موقع، ووضع ضوابط تتعلق بطبيعة العروض والمحتوى المقدم، إلى جانب تنظيم حركة الزوار ومراعاة متطلبات حماية الآثار. كما تبرز أهمية أن تكون الفعاليات جزءًا من تجربة سياحية متكاملة تتيح للزائر التعرف على تاريخ المكان وقيمته، بدلًا من الاقتصار على حضور الحدث فقط.

ويؤكد هذا النهج أن الترويج السياحي وحماية التراث ليسا هدفين متعارضين بالضرورة، بل يمكن الجمع بينهما من خلال التخطيط الجيد واختيار الأنشطة المناسبة لكل موقع.

السياحة الترفيهية وسياحة الحوافز.. اختلاف في المفهوم والهدف

وفي سياق الحديث عن توظيف الفعاليات في تنشيط السياحة، يشير سامح سعد إلى وجود خلط شائع بين مفهومَي السياحة الترفيهية وسياحة الحوافز، رغم اختلاف طبيعة كل منهما والأهداف التي تقوم عليها.

فالسياحة الترفيهية تشمل الأنشطة والرحلات التي تهدف إلى الاستمتاع بالتجارب السياحية، ومن بينها حضور الحفلات والفعاليات التي تُقام داخل المواقع الأثرية أو بالقرب منها، عندما تتيح للزوار فرصة الاستمتاع بالمكان وما يقدمه من تجربة ثقافية وترفيهية.

أما سياحة الحوافز، فتقوم على منطق مختلف، إذ تعتمد على تنظيم الشركات الكبرى رحلات استثنائية لموظفيها أو كبار وكلائها، باعتبارها مكافآت عند تحقيق مستهدفات بيعية أو الوصول إلى نتائج محددة. وتمثل هذه الرحلات أداة تستخدمها الشركات لتحفيز العاملين والشركاء التجاريين، وقد تتضمن برامج سياحية وأنشطة خاصة تُصمم وفق أهداف الرحلة.

ويبرز هذا الاختلاف أهمية تحديد طبيعة كل فعالية والجمهور المستهدف منها عند إعداد الخطط السياحية والتسويقية، بما يساعد على اختيار الأنشطة الملائمة وتحقيق الاستفادة الاقتصادية المرجوة.

الفعاليات الكبرى ضمن مستقبل المنتج السياحي المصري

ومع تنامي الاهتمام بالفعاليات الكبرى باعتبارها أداة للترويج السياحي، تظل القدرة على تنظيمها وفق معايير واضحة عاملًا أساسيًا في تحقيق الاستفادة منها. فنجاح الحدث لا يُقاس فقط بحجم الحضور أو التغطية الإعلامية، وإنما أيضًا بمدى توافقه مع هوية الموقع، وقدرته على تقديم صورة إيجابية عن مصر، واحترامه للقيمة التاريخية للمواقع المستضيفة.

ومن هذا المنطلق، يمثل تطوير منظومة تنظيم الفعاليات فرصة لتعزيز جاذبية المقصد السياحي المصري، بشرط أن تقوم على رؤية تجمع بين العائد الاقتصادي والتسويق الدولي وصون التراث الحضاري. ويظل اختيار الفعاليات المناسبة لكل موقع خطوة محورية لضمان أن تكون هذه الأنشطة إضافة حقيقية إلى المنتج السياحي المصري، وأن تسهم في الترويج لمقوماته دون الإضرار بقيمته التاريخية.

الكلمات المفتاحية: #الفعاليات #الأثرية #المواقع #السياحي
مشاركة: